السيد عبد الأعلى السبزواري
70
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . أي : من كفر كفرا واضحا لا شبهة فيه ولا عذر معه ، خرج به عن السّبيل السوي الذي يوصل سالكه إلى الكمال المنشود والسعادة التي تصلح بهما دينهم ودنياهم وآخرتهم ، ويجعله أهلا لمورد الإفاضة وحبّه عزّ وجلّ وجواره في تلك الجنّات الخالدات ، ومن خرج عن سواء السّبيل يدخل في إحدى السبل الباطلة الموبقة التي تفسد الفطرة وينتهي سالكها إلى سوء العاقبة ، ويدنس النفس ، ويورد صاحبها إلى الجحيم ، بخلاف الكفر قبل ذلك ، فإنّه قد يكون معه شبهة وعذر ، فيأتي الامتحان والاختبار لكشف الحقيقة وإظهار الواقع . قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ . تفصيل بعد إجمال ، فإنّه تعالى بعد ذكره جزاء الكفر بالميثاق الذي أخذ منهم وهو الضلال ، ففي هذه الآية الشريفة يبيّن تفصيلا لما يوجب الضلال ، كتحريف الكلم عن مواضعه ، أو نسيان الحظّ الذي أوتوه ، ونقض المواثيق ، وأنواع النقم ، كاللعن وقساوة القلوب وغيرهما . والباء في قوله تعالى : « فبما » للسببيّة ، و « ما » للتأكيد ، أي : بسبب نقضهم لميثاقهم ، وكفرهم باللّه جلّت عظمته ، وإعراضهم عن الطاعة ، حلّت البلايا والرذائل عليهم . والآية المباركة تدلّ على أنّ النقض هو السبب الوحيد في ما حلّ بهم من أنواع البلاء وما استحقّوه من الجزاء لا غيره ، لا استقلالا ولا انضماما . والمراد من الميثاق هو ما ذكره عزّ وجلّ في ما سبق من الآيات ، وهو الإيمان باللّه تعالى ورسله ، ونصرتهم ، وتنفيذ أحكامه المقدّسة ، وقد ذكر عزّ وجلّ أنواعا من الآثار المترتبة على الضلال ، بعضها يتعلّق بالدنيا ، والأخرى بالجزاء الأخروي ، وثالثة بالنفوس . قوله تعالى : لَعَنَّاهُمْ . اللعن هو الطرد عن الرحمة الإلهيّة التي هي السبب الوحيد في السعادة